صياغة السياسات العامة: أطار منهجي
مقدمة:
أولاً: مشاكل السياسات العامة
1_ التبادلية:
2_ الذاتية:
3_ الوضعية:
4ـ الديناميكية:
أنواع مشاكل السياسات العامة:
1- المشاكل الإجرائية:
2- المشاكل الأساسية:
1- المشاكل التوزيعية:
2- المشاكل التنظيمية:
3- مشاكل إعادة التوزيع:
1_ المشاكل الداخلية:
2_ المشاكل الخارجية:
أسبقيات أو أولويات السياسات العامة:
ثانياً: صانعوا السياسات العامة
أولا: الجهات الرسمية الحكومية:
ثانياً: الجهات غير الرسمية (غير الحكومية):
ثالثاً: عمليات رسم السياسات العامة
أ. المساومة:
ب. المنافسة:
ج- الصراع:
د-الأمر أو الفرض: command:
هـ- الإقناع والتعاون:
رابعاً:مستويات السياسات العامة
1.المستوى العام:(Macro politics)
2.المستوى الجزئي:(Micro Politics)
3. المستوى المحلي (الإقليمي):Local politics
الخلاصة:
المصادر
أولا: المصادر العربية
ثانياً: المصادر باللغة الإنكليزية
لقد أدركت الحكومات على تباين أنظمتها السياسية واتجاهاتها الفكرية أنها بحاجة إلى دعم ومساندة شعوبها لما تتخذه من قرارات، وما تقوم به من أعمال متنوعة في جميع الظروف والأوقات. وحتى يتحقق لها ذلك، فأنها أخذت تسعى جاهدة إلى حل مشاكلهم والاستجابة لمطاليبهم المتنوعة من خلال مجموعة من الخطط والبرامج (يطلق عليها السياسات العامة) الهادفة إلى تحقيق جملة من المنافع وتخفيف المعاناة عن الغالبية منهم.
أن ما يميز السياسات العامة هو شمولية نتائجها لشرائح واسعة من المجتمع ان لم يكن المجتمع كله، مما يحتم الاهتمام بصياغتها أو رسمها بشكل يؤدي الى زيادة فرص نجاحها وتحقيق المنافع المتوقعة عند تنفيذها، وتقليل احتمالات فشلها الى أقل نسبة ممكنة. فالسياسات العامة التي تصاغ بشكل دقيق بالاعتماد على معلومات ومعطيات صادقة وصحيحة، تجنب المجتمع الكثير من التضحيات والالام والاحباط الذي يصاحب تنفيذ السياسات العامة الفاشلة أو المرسومة بشكل غير صحيح. ولكي يتم الوصول الى هذا الهدف لابد من الاجابة عن التساؤت التالية:-
1_ كيف تتم صياغة السياسات العامة ؟
2_ من يتولى مهمة صياغة السياسات العامة ؟
3_ ماهي المشاكل التي ترافق صياغة السياسات العامة ؟
4_ ماهي مستويات السياسات العامة ؟
وعليه فان هدف هذا البحث هو الاجابة عن التساؤت أعلاه من خلال عدة فقرات تضمنت الاولى مناقشة مستفيضة لمشاكل السياسات العامة، بينما شملت الثانية تحديد وبحث الجهات التي تتشارك في صنع السياسات العامة، أما الفقرة الثالثة فقد كرست للحديث عن عمليات رسم السياسات العامة في حين اختصت الفقرة الرابعة بالبحث والدراسة في مستويات السياسات العامة. وصولاً لتحقيق أهداف البحث المذكورة.
يمكن تعريف المشكلة لاغراض صنع السياسات العامة بانها: " موقف او حالة تحرك الحاجات والشعور بعدم الرضا لدى افراد المجتمع. مما يدفعهم لطلب العون او بتدخل الحكومة للمساعدة في ازالة ما يعانون منه" (Smith: 1964: 604 ) فعلى سبيل المثال يمكن اعتبار تفشي الجريمة او البطالة او ارتفاع الاسعار (التضخم) او تفشي الاوبئة والامراض وانتشار الآفات الزراعية وتلوث البيئة ونقص الغذاء وصعوبة المواصلات وازدحام الطرق وتدني مستوى الخدمات العامة وتفشي الرشوة والمحسوبية وغيرها، مشاكل تدعو صانعي السياسة العامة لدراستها وتحليلها من اجل وضع المعالجات الضرورية لان مشاكل كهذه تثير اهتمام وقلق شريحة – او أكثر – من شرائحه أو فئاته الاجتماعية أو السياسية وقد يمتد تأثيرها ليشمل المجتمع بكامل فئاته. كما عرفت المشكلة بانها: "حاجات غير مشبعة وقيم غير مدركة أو مفهومة يمكن اشباعها أو تحقيقها بالنشاط أو الفعل الحكومي"" (Dunny:1979: ) وان المعلومات الضرورية لمعرفة طبيعة المشكلة والحلول اللازمة لها يمكن الحصول عليها باستخدام اساليب التحليل المتنوعة. ومما تجدر ملاحظته ان المعنيين بحل المشاكل العامة غالباً ما يفشلون في اختيار الحلول المناسبة لمواجهة مشاكل السياسات العامة بسبب فشلهم في اكتشاف او معرفة الاسباب الحقيقية للمشكلة العامة. اذ ان الصياغة الدقيقة للمشكلة ينتج عنها – في الغالب – حلولُ صحيحة وقد قيل قديماً: إذا عُرِفَ الداء سهل وصف الدواء فبعض المختصين بصياغة مشاكل السياسات العامة وتحليلها، ينظر الى نتائج المشكلة على انها المشكلة ذاتها لان النتيجة التي تؤدي اليها المشكلة هي الجانب المنظور منها، مثال ذلك، " كثرة الغيابات أو دوران العمل "، الذي تعاني منه بعض المؤسسات الحكومية والخاصة، اذ يتوهم بعض المعنيين بانها هي المشكلة من غير ان يبحث في الاسباب التي ادت اليها ونتج عنها تغيب العاملين او تركهم لوظائفهم في هذه المؤسسة العامة او تلك.
ان مشاكل السياسات العامة كثيرة ومتنوعة، ويصعب اتفاق المعنيين على تحديد مكوناتها واسبابها، واساليب التعامل معها، مثل: التضخم، الانكماش، البطالة، الجريمة، الفقر، التلوث، وغيرها. اذ ان هذه المشاكل وامثالها غالباً ما تتباين وجهات النظر حولها بين المهتمين والمعنيين والمختصين انفسهم من جهة، وبينهم وبين المواطنين من جهة اخرى. ففي حين ينظر اليها بعض المعنيين على انها مشاكل حقيقية يعاني منها المجتمع، ولا بد من وضع الحلول الناجعة لها، بينما يرى البعض الاخر منهم على انها مجرد حالات تتشابك مع تحقيق بعض القيم والحاجات الشخصية لعدد من الافراد، وانها لا تستحق ان تأخذ صفة المشاكل العامة. ويمكن عدّ التلوث من الامثلة على ذلك، فقد يُعُدّه بعضهم حالة طبيعية في المجتمعات المعاصرة نتيجة للتقدم التقني والحضاري الذي تشهده هذه المجتمعات، وبالتالي لا داعي للاهتمام له، وتخصيص المبالغ، وحشد الموارد للحد منه او معالجته. في حين يراه غيرهم مشكلةً تمس افراد المجتمع جميعهم وانه من اللازم عدّه من المشاكل العامة المهمة، التي تحتاج الى وضع الحلول اللازمة لها، وهذا يعتمد على مجموعة من العوامل منها:
1ـ طبيعية مشكلة التلوث: من حيث كونها مشكلة اقتصادية ام ادارية ام اجتماعية ام صحية.
2ـ اسبابها المتمثلة بعوادم السيارات، او الغازات المتصاعدة من مداخن المصانع المتنوعة، او رمي النفايات والمياه الثقيلة في الانهار والجداول وغيرها.
3ـ مدى خطورة المشكلة واتساع نطاقها:
ومن المفيد ان ننوه الى ان المشاكل على كثرتها وتنوعها لا تثير جميعها اهتمام صانعي السياسات العامة، الا عندما تكون واضحة. إذ ان هذا النوع من المشاكل يسبب قلق افراد المجتمع ويدفعهم الى القيام بأفعال قد تكون خارجة على الاعراف او القوانين المتبعة.
وهذا يعني ان بعض المشاكل تأخذ طريقها الى راسمي السياسات العامة، ويهمل بعضها الاخر او يؤجل الى وقت لاحق، وذلك بحسب اهميتها، وتاثيرها على جماعة او اكثر من الجماعات المؤثرة في المجتمع فقد تعيش فئة من المواطنين في بيئة غير ملائمة ولكنهم لا يبدون تذمراً، ولا يطالبون بتحسين بيئتهم او تغيرها، فكأنهم قانعون بوضعهم هذا او ان قناعتهم هذه قائمة على عدم امتلاكهم وسائل التأثير في المجتمع. فحالة كهذه لا تعد مشكلة بحسب تعريفنا السابق، اذ لم يقم احد بطرحها او ايصالها الى الجهات الحكومية بصيغة مطلب جماعي او مشكلة تحتاج الى حل. فالمشاكل اذن لا بد ان تكون واضحة ليسهل ايصالها الى الجهات المعنية في الجهاز الحكومي.
وثمة سؤال آخر يجب الوقوف عنده ومحاولة الاجابة عنه وهو: هل ان المشكلة التي تنال الاهتمام هي التي يعرضها المعنيون بها من متضررين وغيرهم ؟ وهل هناك اسلوب آخر لا ظهارها ؟ الجواب: نعم، فهناك مطالب او قضايا يعرضها افراد او جهات من غير المتضررين منها، فتصبح مشاكل ملحة تستحوذ على جزء كبير من اهتمام صانعي السياسات العامة، مثال ذلك، قيام محرري الصحف، او جماعات المصالح او السياسيين باثارة الضجيج، والقيام بمجموعة واسعة من الاتصالات حول ارتفاع منسوب المياه الجوفية في منطقة ما، أو ارتفاع معدلات حوادث المرور، على سبيل المثال، مما يجعل منها مشكلة ملحة تحتاج الى حل او مطلباً لا بد من العناية به، اكثر بكثير مما يفعله الذين يقطنون تلك المنطقة، او المتضررين من حوادث المرور. وحتى نفهم ونميز مشاكل السياسات العامةعن سواها من المشاكل او القضايا فانها تتميز بخصائص او بامور منها:
1_ التبادلية: فمشاكل السياسات العامة تؤثر وتتأثر بعضها بالاخر، فهي متشابكة وذات اجزاء مترابطة من نظام متكامل وليست منفصلة عن بعضها تماماً.
2_ الذاتية: بمعنى ان تصنيف الظروف الخارجية او الداخلية التي تنشأ عنها مشاكل السياسات العامة -وتفسير تلك الظروف وتقييمها – يتم وفق الخبرات الذاتية او الشخصية للقائمين بصياغة السياسات العامة، أي ان لشخصية راسم السياسات العامة ومحللها واتجاهاته تأثيراً واضحاً في تفسير مشاكل السياسة العامة وتحليلها وتحديد اسلوب معالجتها.
3_ الوضعية: أي ان مشاكل السياسات العامة في الغالب تكون من صنع الافراد او الجماعات، فهي توجد أينما وجدت التجمعات البشرية.
4ـ الديناميكية: ويقصد بها ان لمشاكل السياسات العامة حلولاً بقدر التعاريف المحتملة لها, بمعنى انه لا يمكن الجزم بوجود حدود بينة او علاج محدد لاية مشكلة من مشاكل السياسات العامة.
يمكن ان نميز بين المشاكل او المطالب وفق مداخل عديدة، لعل أهمها: مدخل الشمولية، ومدخل الموارد، ومدخل البيئة (النطاق). فمن حيث الشمولية ، يمكن تصنيفها الى مجموعتين هما: المشاكل الخاصة، والمشاكل العامة. فالمشاكل الخاصة:- هي تلك المعانات او المطالب التي تخص شخصاً واحداً من افراد المجتمع، فعدم حصول أحد أفراد المجتمع على دواء معين، هي قضية متعلقة به فقط، ولا تهم غيره، فهي اذن مشكلة خاصة, كما ان تسريح عامل وطرده من العمل هي قضية لاتخص احدا" غير ذلك العامل , اما المشكلة العامة فهي تلك التي تتأثر بها مجموعة من الافراد وليس فرداً واحداً، وكلما زاد عددهم، احتلت مشكلتهم اهمية ً لدى صانعي السياسات العامة ومنفذيها. ففي مثالنا اعلاه، لو أن مجموعة كبيرة من المرضى لم يوفقوا للحصول على الدواء، فان ذلك يمكن ان يتحول الى مشكلة عامة، كذلك الحال لو ان عدداَ من المنظمات العامة او الخاصة او كليهما، قامت بتسريح نسبة كبيرة من العاملين فيها لظروف معينة، فان ذلك قد يخرجها من دائرة الخصوصية الى دائرة الشمولية فتصبح قضيةً عامة.
ومن المفيد الاشارة الى ان بعض القضايا الخاصة يمكن ان تتحول الى قضاياعامة، عندما تتوسع دائرة المتأثرين بها. او المتعاطفين معها. فلو ان احد الآباء دفعه التذمر من قيام أحد المعلمين بضرب ابنه في قاعة الدراسة، الى الاحتجاج لدى الجهات المعنية(كمديرية التربية) – مثلاً – او ممثل منطقته في المجلس الوطني، فان ذلك لن يخرج تلك المشكلة من خصوصيتها لعدم اثارتها الاهتمام من لدن راسمي السياسات العامة. ولكن لو ان هذا الاب تصرف بشكل آخر، واتصل باولياء أمور التلاميذ الاخرين، واقنعهم بان ابناءهم سيكونون عرضة للضرب ايضاً. ان لم يقوموا بعمل ما، وافلح في اقناعهم بذلك وحصل على تأييدهم له، وتعاطفهم معه، واستطاع ان يرفع مذكرة باسمهم جميعاً الى الصحافة، والجهات الحكومية المعنية، فتصل الى راسمي السياسات العامة وكأنها مشكلة جماعية، وذلك لاتساع دائرة المتاثرين بها، عندئذ تتحول الى قضية او مشكلة عامة.
اما من حيث المجال، فيمكن تقسيمها الى نوعين هما: (اندرسون: 1999: 79)
1- المشاكل الاجرائية: وهي تلك القضايا المتعلقة بكيفية قيام الحكومة واجهزتها المتنوعة بتنظيم شئونها، وادارة اعمالها وانشطتها المتنوعة.
2- المشاكل الاساسية: وهي القضايا التي تتعلق باهتمامات افراد المجتمع، كحرية الرأي والتلوث البيئي والاجور والامن الداخلي وغير ذلك.
ويمكن تصنيف المشاكل او القضايا من حيث الموارد وتوزيعها الى ثلاث مجموعات هي: (Lowi:1964: 682 )
1- المشاكل التوزيعية: وهي التي تتعلق بكيفية توزيع الموارد بين الافراد او الجماعات او الاقاليم مثل مطالب مدينة ما بالسيطرة على الفيضان، واخرى بمعالجة قلة المياه، او مطالب المستوردين بتخفيض الضرائب الكمركية، والمنتجين المحليين بزيادتها، وغير ذلك.
2- المشاكل التنظيمية: وهي التي تتعلق بتنفيذ التصرفات او النشاطات العامة، او وقفها، او الحد من تدخل الاخرين في بعض المجالات. كمطلب الصناعيين واصحاب الشركات بالحد من تدخل نقابات العمال، او مطالب اصحاب السيارات القديمة بوقف اجراءات ترحيلها من العاصمة او من بعض المدن الكبيرة الى مدن صغيرة او غير ذلك.
3- مشاكل اعادة التوزيع: وهي تلك التي تختص بنقل الموارد المتاحة من منطقة لاخرى، او اعادة توزيع بعض المصادر او الموارد المتوافرة في منطقة ما الى المناطق التي تفتقر اليها لتحقيق العدالة الاجتماعية. مثال ذلك. إعادة توزيع القوى العاملة الماهرة المتوافرة في العاصمة على المحافظات الاخرى، او إعادة توزيع اساتذة الجامعات والمختصين من اطباء ومهندسين بين الجامعات والاقاليم، والمنظمات التي تعاني من النقص في افراد هذه الفئات. او اقامة مصانع في بعصض المدن التي تشكو من البطالة او قلة فرص العمل فيها او فرض ضرائب تصاعدية لتقليل الفوارق بين الدخول، وغير ذلك.
أما من حيث النطاق، فيمكن تقسيمها الى مجموعتين هما:
1_ المشاكل الداخلية: وهي القضايا التي تتعلق بمواطني الدولة ذاتها، كذلك المتصلة بالصحة والتعليم والامن الداخلي والضرائب والنقل والمواصلات والبيئة والزراعة وغيرها.
2_ المشاكل الخارجية: وهي تلك التي ترتبط بعلاقة الدولة مع الدول الاخرى كدول الجوار او غيرها مثل مشاكل الانهار والمياه الدولية والملاحة البحرية والحدود الاقليمية بين الدول والصيد في البحار والانهار الدولية والتهريب وغيرها كثير.
لا يمكن لاية دولة او حكومة مهما كانت امكاناتها المادية والبشرية، ومواردها الاقتصادية من تلبية المطالب التي يتقدم بها مواطنوها، او معالجة جميع مشاكلهم مرةً واحدة، انما يتطلب ذلك العمل بنظام الصفوف او الطوابير، أي تقديم الاهم على المهم من المشاكل والقضايا، وفقاً لجدول الاسبقيات السياسية، الذي يعد بهدف تلبية هذه المطالب، وحل المشكلات الواحدة بعد الاخرى بحسب اهميتها او درجة الحاحها، او قوة الفئة او المجموعة التي تتأثر بها او بنتائجها. وعلى العموم، فان هناك مئات المشاكل او المطالب التي تركن على الرف (تهمل)، ولا تدخل جداول الاسبقيات، مقارنة بالقليل منها التي يجري العمل على تبنيها والمفاضلة بينها، وتحديد اولوية او اسبقية كل منها على غيرها في جداول الاولويات السياسية. وهذا ما اشرنا اليه في بداية هذا البحث. وعليه فجدول الاسبقيات: هو جدول اعمال يضم القضايا والمشاكل او المطالب العامة التي هي بحاجة الى تصرف او فعل حكومي بشأنها. وهو ليس جدولاً مثالياً او نموذجياً يوضع بصيغٍ او قوالب جامدة، انما يختلف من موقف لآخر، ومن جهة لآخرى، فجدول اعمال السلطة التشريعية (البرلمانات)، قد لا يماثل جداول اعمال السلطتين التنفيذية والقضائية التي قد لا تتشابه مع جداول اعمال الحكومات المحلية للمحافظات او الاقاليم. فكل منها يمتاز عن الاخر، بمحتوياته واسبقياته وكيفية اجراء النقاش لتحديد هذه الاولويات، وهو غالباً ما يُعرف من خلال الجلسات العلنية للمجالس النيابية (ممثلي الشعب)، او ما تنقله وسائل الاعلام المتنوعة من خطب وتصريحات لبعض اعضاء السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) والحكومات المحلية، والمعنيين من موظفي الجهاز الاداري الحكومي وغيرهم. وعلى العموم فان اهم العوامل التي تساعد على ايصال القضايا والمطالب الى جداول الاسبقيات هي الآتي:
1_ فقدان بعض الجماعات او النخب مصالحها او جزءً منها لمصلحة جماعات او نخب اخرى، مما يؤدي بها الى التحرك لاعادة التوازن لصالحها، الامر الذي يستدعي قيام الاجهزة الحكومية بنشاط اضافي لمواجهة ذلك (Thomas: 1951: 30) ومن الامثلة على ذلك تحرك المنتجين المحليين لاقناع الحكومة بفرض ضرائب كمركية على البضائع المستوردة للحد من منافستها لمنتجاتهم.
2_ قادة الاحزاب السياسية، وهم غالباً ما يحاولون تبني المطالب العامة، والعمل على ايصالها الى اسماع صانعي القرار او السياسات لاستمالة جمهور المواطنين بهدف الحصول على تأييد الراي العام. (Walker: 1977: 428) وقد يقوم رؤساء الحكومات بمثل هذا النشاط للسبب نفسه.
3_ أهمية المشاكل او المطالب وخطورتها: اذ أن بعض المشاكل تمتاز بالحاحها، وكثرة عدد المتأثرين بها، وخطورة نتائج اهمالها مما يدعو المعنيين الى إعطائها اولوية ضمن الاسبقيات التي لا مفرَّ من اتخاذ الاجراءات السريعة لمعالجتها، كالكوارث الطبيعية من امطار وفيضانات وزلزال، وظهور الاوبئة والامراض المعدية فجأة في منطقة ما، وغيرها (Cobb: 1972: 84).
4_ المطالب او القضايا التي تثيرها المعارضة السياسية او الاضرابات التي تنظمها بعض الفئات المهنية، كاضراب عمال الموانىء والمطافىء او المناجم وغيرها، مما يوصل قضاياهم ومطالبهم مباشرة الى اسماع صانعي السياسات العامة، ووضعها في جداول الاسبقيات (Lipsky ; Michael: 1968: 54).
5_ وسائل الاعلام المتنوعة المقروءة والمسموعة والمرئية وهي تلعب دوراً مهماً في ايصال بعض القضايا والمطالب الى اسماع راسمي السياسات العامة، وعرضها على جداول الاولويات، مثال ذلك، مشكلة بعض اصحاب السيارات القديمة التي تقرر اخراجها من بغداد اعتباراً من 1/7/2002، اذ تمكنت وسائل الاعلام من طرحها بشكل مباشر، وصل الى اعلى المستويات، مما ادّى الى صدور امر بايقاف تنفيذ ذلك القرار.
ولابد من الاشارة الى ان المشاكل والمطالب العامة لا تصل كلها الى راسمي السياسات العامة، ولا تأخذ طريقها الى جداول اسبقياتهم لا سباب عديدة منها:
1- تعارض بعض المطالب او القضايا مع الاعتبارات او القيم والمبادئ التي يؤمن بها المعنيون من راسمي السياسات العامة ومنفذيها
2-سيطرة جماعة معينة او فئة ما على المؤسسات الحكومية ووسائل الاتصال الجماهيري والاحزاب السياسة خصوصا" في الدول النامية ,والدول التي تتكون مجتمعاتها من قوميات وديانات متعددة وخير مثال لذلك , تركيا التي يسيطر فيها الاتراك المسيحيون, والنخب العسكرية على المؤسسات السياسية والحكومية ويمنعون الاكراد, والمسلمون من ممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية بحرية كاملة
3-الجهل,وعدم الوعي او النضج السياسي والاجتماعي للغالبية من افراد المجتمع , يجعلهم عاجزين عن فهم مشاكلهم والتعبير عن قضاياهم واستخدام السبل الناجحة لإيصالها الى المعنيين , فسكان القرى والأرياف في معظم الدول النامية لا يستطيعون التعبير عن مشاكلهم وإيصالها الى المعنيين مثل سكان المدن.
واخيرا" فان من المناسب التنويه الى ان السياسات العامة ليست محصورة دوما" على ما تنفذه الحكومة من أعمال وما تشرعه من لوائح وانظمة وقوانين ,بل تشمل ايضا" ما تهملة او تمتنع عن فعلة او تشريعة.(اندرسون:87:1999)
وهم الافراد او الجماعات والجهات (الرسمية وغير الرسمية) الذين يشاركون في رسم السياسات العامة بصورة مباشرة وعلية فانه يمكن تقسيم الاطراف التي تشارك في صنع السياسات العامة على نوعين رئيسين هما:
ا-الاطراف الرسمية الحكومية.
ب-الاطراف غير الرسمية.
وهم الافراد الذين يخولون الصلاحيات التي تسمح لهم بالمشاركة في صنع السياسات العامة، مثل اعضاء السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، والاداريين الاخرين من العاملين في الاجهزة الحكومية، الذين يساهمون في اتخاذ القرارات وتنفيذ السياسات العامة بطرائق ودرجات متفاوتة. وعليه يمكن تقسيم الاطراف الرسمية الى الاتي:
1- السلطة التشريعية:
تعد السلطة التشريعية من اهم المنظمات الرسمية الحكومية التي تضطلع اساساً بتشريع اللوائح والانظمة والقوانين، ووضع القواعد العامة التي تنظم مختلف اوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية وغيرها في الدولة. (العزاوي: 2001: 46). ان دول العالم تتباين في كيفية تشكيل السلطة التشريعية، ودورها وتأثيرها في عملية رسم السياسات العامة. فبعضها يأخذ بنظام المجلس (البرلمان) التشريعي الواحد، مثل لبنان وجمهورية مصر العربية وتركيا وروسيا وغيرها، اذ تتكون السلطة التشريعية فيها من مجلس واحد يمثل المواطنين جميعهم والاحزاب السياسية الموجودة في ذلك البلد. والبعض الاخر تأخذ بنظام المجلسين ككندا، بريطانيا، والولايات المتحدة الامريكية.. وفي بريطانيا، مجلس العموم ومجلس اللوردات، وهكذا في الدول الاخرى. كما ان بعض الدول موحدة، كفرنسا، وسوريا، وجمهورية مصر العربية، وليبيا، اذ يتألف جهازها التشريعي من مؤسسة واحدة - سواءً كانت تأخذ بنظام المجلس -الواحد او المجلسين – لها سلطات اصدار اللوائح والتشريعات، والقوانين بما لايتعارض مع دستور الدولة. والاعراف الاجتماعية السائدة التي لها صفة الدوام والثبات النسبي. وبعضها الاخر فدرالية، أي مكونة من اتحاد او اندماج مجموعة من الولايات كالولايات المتحدة الامريكية، او مجموعة من الجمهوريات، كالاتحاد السوفيتي (السابق). (الجمل، يحيى: بلا: 43)، اذ يتكون جهازها التشريعي من مؤسستين أثنتين هما: المؤسسة الاتحادية، والمؤسسات التشريعية الاقليمية . (هلال، علي الدين: 2000: 14) يختص الاول بصنع السياسات على مستوى الدولة الاتحادية كلها، كما لو كانت دولة موحدة، بينما يختص الثاني بالتشريعات على مستوى الاقاليم او الولايات، التي يفترض ان تمثل تمثيلاً عادلاً او متساوياً في المجلس الاول.
وقد اختصّ عدد من الدراسات الحديثة بمعرفة دور الهيئات التشريعية الاوربية، واهميتها في رسم السياسات العامة، فوجد بانها متباينة بحسب تباين انظمتها السياسة، (جابريل والموند: 1998: 170). وقوة وسطوة النخب السياسة والاحزاب، وجماعات المصالح، وقدرة السلطة التنفيذية، ومدى تمثيلها لحزب واحد قوي او عددٍ من الاحزاب المؤتلفة. فمجلس العموم البريطاني، يعد من اضعف المجالس التشريعية قدرة وفعالية في صنع السياسات العامة، بسبب سيطرة حزب الاغلبية الحاكم عليه، وان اغلب اعضائه يشكلون السلطة التنفيذية ويبقى دوره منحصراً في مناقشة تأهيل النخبة وتوظيف افرادها (العزاوي: 2001: 50) على عكس الكونكرس الامريكي الذي يلعب دوراً رئيساً في رسم السياسات العامة للحكومة الفدرالية من خلال لجانه المتعددة (جابريل: 1998: 169).
2- السلطة التنفيذية:
وتضم الافراد العاملين في البيروقراطية الحكومية المتمثلة بالمؤسسات والهيئات واللجان والاجهزة الادارية الحكومية المتنوعة, التي غالباً ما تضطلع بتنفيذ السياسات العامة، غير ان دورها في رسم السياسات العامة لايمكن اخفاءه باي حال من الاحوال، اذ ان الشعوب تعيش عصر هيمنة السلطة التنفيذية بسبب الاعتماد بشكل كبير على القيادة التنفيذية في رسم السياسات العامة وتنفيذها (اندرسون: 1998: 58) ففي بعض الانظمة الحكومية الرئاسية يجمع رئيس الجمهورية بين قيادة العملية التنفيذية، وقيادة العملية التشريعية، كما في الكثير من دول العالم النامية،، كما يتدخل الرئيس الامريكي في الولايات المتحدة الامريكية، للحيلولة دون تعطيل اقرار بعض البرامج والسياسات العامة من جانب اللجان والقوى الحزبية المتنافسة في الكونكرس الامريكي، كما ان هناك كثير من اللوائح التي تجيز للرئيس الامريكي التدخل في صنع السياسات العامة، كلائحة التجارة الخارجية التي تخوله سلطات واسعة في رفع الرسوم الكمركية المفروضة على السـلع المستوردة او تخفيضها، كذلك لائحــة الاستقرار الاقتصادي لعام (1870 م). التي منحته سلطات واسعة في مراقبة الاسعار منعاً للتضخم زد على ذلك السلطات والصلاحيات التي منحها الدستور الامريكي للرئيس في مجال السياسات الخارجية والعسكرية، بل لا غرابة اذا قلنا ان السياسات الخارجية الامريكية هي من صنع الرئيس الامريكي (Dror: 1968: 17 ). وينطبق هذا الكلام على معظم السياسات الخارجية للدول الاخرى، اذ تترك اليد الطولى لرئيس الحكومة في رسم السياسات الخارجية لبلاده، مثل غانا، تايلندا، سوريا، والجزائر وغيرها. وما قيل عن دور رئيس الجمهورية، يقال ايضاً عن المحافظين، وحكام الولايات والاقاليم المحلية. اذ يمتد دورهم الى رسم او صنع السياسات العامة لولاياتهم او محافظاتهم، مع تنفيذها. (اندرسون: 1998: 59).
كما ان المؤسسات البيروقراطية الاخرى، المتمثلة بالاجهزة الادارية العامة وهيئاتها او لجانها المتنوعة التي غالباً ما تتدخل في صنع السياسات العامة ومناقشتها، مع دورها الاساس في تنفيذها. بل ان هناك من يعتقد بان هذه الاجهزة قادرة على اعاقة رسم السياسات العامة تماماً كقدرتها على تنفيذها او عدم تنفيذها (اندرسون: 1998: 60). وذك مرده الى كثرة القضايا والمطالب التي تستوجب خبرات فنية متخصصة لرسم السياسات المتعلقة بها، ولنقص الخبرة الفنية لافراد السلطة التشريعية فانهم غالباً ما يفوضون الاجهزة الادارية كثيراً من الصلاحيات اللازمة لرسم السياسات العامة من هذا النوع، واتخاذ قرارات لها مفعول السياسات العامة من حيث التأثير والاهمية والنطاق مثل القضايا المتعلقة بالدفاع، والتلوث، والطــرق الســريعة، والعلاقــات الخارجية، وغيرها. (اندرسون: 1998:60).
3-السلطة القضائية:
المقصود بها المحاكم سواء كانت على مستوى الدول – كمحكمة التميز في العراق -، او على مستوى المحافظات او الاقاليم او الولايات. وهي ت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ